كنت مرهقًا تلك الليلة بعد سهرةٍ طويلة قضيتها مع أصدقائي خارج السكن الطلابي، وما إن رجعت إلى سكني حتى التقيت مصادفةً بمدير السكن، فحدّثني عن احتفالية ستقام غدًا من أجل المرأة، ونظرًا لاحترامه لي -على حد قوله- فسأكون أحد المنظمين للحفل، ولا بد أن أصحو مبكرًا. لا أعرف كيف زلّ لساني فوعدته بالمجيء. نمت وأنا ألوم نفسي لأنني وعدته، فحتمًا سيكون يومًا تعيسًا. دُقّ الباب صباح ذلك اليوم، فاستيقظت وأنا ألعن هذا الحفل الذي حرمني من نومي، وبطريقة آلية ارتديت ملابسي وذهبنا. كنت أقول في نفسي: “حتمًا سيكون يومًا تعيسًا، خصوصًا وأنا أهدّئ الحضور وأتكلف الاحترام للجميع محاولًا تلبية رغباتهم وطلباتهم”.
قبل أن أدخل الصالة سحبني منظم الحفل إلى جانبه حتى أترجم للضيوف العرب. بين رتابة المدعوين شدّتني فتاة عربية، ما إن رأيت جمالها الصارخ حتى طار النوم من عيني مسافة أسبوع بالكامل. لقد شدّني جسمها الممشوق وبشرتها المخملية وعيناها الساحرتان، وأما ما كان يشدني فيها أكثر فهو ذوقها الراقي في انتقاء ملابسها. كنت أتساءل: “هل هناك من هي أجمل منها يا ترى؟”. اقتربت مني فقالت: هل تعرف العربية؟ كنت ما زلت نشوانَ من ذلك الجمال، فظلّت تحملق فيّ منتظرةً جوابًا. كررت السؤال مرةً أخرى: هل أنت عربي؟ أجبتها وكأنني أفقت حينها من غيبوبتي: بالطبع يا آنسة، تفضلي، كيف أستطيع خدمتك؟
سألتني عن مكان الصالة التي سيقام فيها الحفل، ورغم أنه كان بمقدوري أن أدلّها من مكاني، إلا أنني تذرّعت أمام المسؤول بالتركية بأنها تحتاج إلى مساعدتي. اصطحبتها نحو الدور الثالث، فالجميلات يستحققن خدمة الخمس نجوم. مشينا دون أن أنبس بكلمة رغم رغبتي في الحديث معها، وبقينا هكذا حتى وصلنا الدور الأول بعد أن كنا في الدور الأرضي. التفتت نحوي وابتسمت ابتسامة ساحرة حجبت عني قاموس كلماتي، ثم قالت: شكرًا جزيلًا على تعاملكم الراقي. أردت أن أشكرها هي على تواضعها إذ جاءت إلى حفلنا رغم امتلاكها كل هذا القدر من الجمال، لكنني اكتفيت بأن ابتسمت بهدوء.
بضع خطوات مشيناها صامتين، وكنت أتمنى أن يطول الطريق حتى يهبني الله القليل من الشجاعة فأتكلم معها في أي شيء. كسرت صمتنا حين سألتني: ماذا سيكون في برنامج اليوم؟ شكرها قلبي على الفرصة الثمينة التي وهبتها لمشاعري لأتكلم أكثر. أخبرتها عن المقدمات المعروفة، ثم كلمات المسؤولين والرقص وغير ذلك.
سكتُّ قليلًا، ثم أضفت بطريقة فكاهية: “وسألقي الشعر ما دمتِ حضرتِ”. التفتت وكأن كلمة “شعر” شدّت انتباهها، فسألتني بفضول: حقًا تستطيع قول الشعر؟ فأجبتها: أقول الشعر عندما ألاقي الجميلات أمثالكِ فقط. لا أعرف كيف قلت تلك الجملة، لكن لساني زلّ بها. كست وجهَها الجميلَ ابتسامةٌ خفيفة، لا أعرف إن كانت تسخر بتلك الابتسامة أم ماذا، ثم قالت: ولكنني لا أحب الشعر. شعرت وكأنها طردتني بردّها؛
احمرّ وجهي وشعرت وكأنها صفعتني بقوة على خدي. سكتُّ لبرهة بينما تلعثمت هي محاولةً تبرير جوابها، لكنني تذرّعت بأن المسؤول ينتظرني، وغادرتها مخفيًا مشاعري تجاهها. كنت أتمنى لو أن الحفل ينتهي تلك اللحظة، فأنا لا أريد أن تلتقي أعيننا مرةً أخرى.
اكتمل الحضور، ودخلت مع المنسقين رغم أنني تمنيت لو أنني لم آتِ من البداية. كانت تجلس قريبًا من ممر الباب، وزاد هذا من إزعاجي لأن عملي كان قريبًا منها، مما يرغمني على النظر إليها. حاولت أن تلفت انتباهي حتى أنظر نحوها، لكن كبريائي لم يسمح لي سوى بنظرة واحدة شعرت من خلالها أنها نادمة على جوابها.
بدأت الفقرة الغنائية فغاص الجميع في الرقص. كنت أرى كل شيء أمامي مقززًا.. تمايل الفتيات وهن يرقصن، ومشاركة بعض الشباب في الرقص محاولين شدّ انتباه الفتيات بحركات رقص غبية. كنت واقفًا ويداي متشابكتان خلف ظهري تعبيرًا عن شدة الملل الذي كنت أشعر به. فجأة أحسست بيد ناعمة وضعت قطعة من الورق في كفي وفرّت نحو الخارج. ما أردت أن أعرف مضمون الورقة في ذلك المكان، فربما علم بالأمر أحدهم فانكشف أمري، لذا انزويت حتى شعرت أن لا أحد منتبهٌ إليّ، وقرأت مندهشًا ما كتبته فيها:
فهمت مقصدها، فلحقتها إلى الخارج. وما إن رأيتها حتى التفتت نحوي بابتسامة تحمل معاني الاعتذار واللوم في آنٍ واحد، ثم أشاحت بوجهها عني وكأنها تنتظر مني ردًا. التقطت ورقة وبدأت أكتب:
اقتربت منها وكأنني أقترب من حورية، ثم وضعت الورقة أمامها على حافة النافذة مدّعيًا أنني أتصل بأحدهم، ثم ذهبت نحو الصالة بسرعة خوفًا من أعين الحضور. لا أعرف ما تلك الطاقة التي كنت أشعر بها من خلال ابتساماتها وهي تنظر إليّ بعد دخولنا صالة الحضور. لم أحتمل أكثر، فخرجت وتركت الحفل بكامله.
رأيتها هي الأخرى وقد خرجت بعدي، اقتربت مني وقالت وهي تبتسم بخجل: يا لك من داهية! كيف استطعت أن تشدّ انتباهي بكل هذه السرعة؟ أجبتها مستغربًا: وما الذي فعلته حتى شددت انتباهكِ؟ فقالت: ردّة فعلك على جوابي بأني لا أحب الشعر جعلتني أشعر بأنك لست إنسانًا عاديًا.
اعترتنا حالة من الصمت، شعرت بأنني لا أعرف من اللغة شيئًا. دام هذا الصمت دقيقة، في حين كان الحضور على وشك الخروج. قلت أخيرًا: لكنني لم أتكلف أي شيء كما يفعل البقية. ردّت بسرعة: وهذا ما كان جميلًا فيك وشدّني إليك. حاولت أن أخبرها بأنني سُحرت بجمالها منذ أول مرة رأيتها فيها، لكنني كنت جبانًا.. كانت تنتظر أن أخبرها بذلك، لكنني لم أستطع. ثم قالت أخيرًا: إذًا لنقل إلى اللقاء يا عزيزي.. ربما تجمعنا اللغة العربية يومًا.
إنكم لا تعرفون أنني عشقت من بعدها اللغة العربية، حتى إنني بدأت أتعلم مرادفاتها وأضدادها وكأنني أتعلم لغة أجنبية.. كنت أتعلمها كل يوم وكأنها درس من دروسي الجامعية، لعلها تسعفني بكلمات عند لُقيانا في المرة القادمة.. انتظرت سنوات وسنوات، ولكننا لم نلتقِ بعدها البتة.
