؛
عبد الرحمن الآنسي كاتب وروائي

الوسم: وطن

  • الوطن في ذاكرة مغترب

    الوطن في ذاكرة مغترب

    «كم كان الحنين شريرًا ذلك اليوم الذي أثقل بآلامه كاهلي!!»

    من نافذة غرفتي الهادئة وأنا أرقبُ منظر الغروب، بدأتْ قوافل التفكير تتوافد على عقلي من كل حدبٍ وصوب، كم أحسست حينها بألم الوحدة وقسوة الغربة، في حين كانت مقلتاي المتعبتان تشهدان مغيب شمس ذلك اليوم وهي تشرح في مشهد غروبها معنىً ساميًا للحياة! زاد شجني رخامةُ صوت أم كلثوم وهو يتسلل إلى أذنيّ من سماعة حاسوبي، وهي ترنِّم كلمات من قصيدة إبراهيم ناجي.

    سبحت آلامي مع كلمات تلك الأغنية إلى مدياتٍ بعيدة، لأنني ولأول مرة أجد الألم ممزوجًا بالحكمة والجمال في مقطوعة غنائية واحدة، قلت حينها في نفسي:

    «لو أن الألم أغنية لعشقته.»

    تغيّر لون سحنة وجهي القمحي فازداد قتامة بعد أن تذكرتُ ما يتذكره الغريب وقت غربته، لقد تذكرت وطنًا يحمل بين أحضانه أهلًا وأحبابًا، تذكرت أن لي أُمًّا ترقب مجيئي في أي لحظة من اللحظات، فقد طال بي الغياب وازداد بنا الشوق واللهفة إلى اللقاء. حاولت أن أتخيل صوت أمي الهادئ وهي خارجة من بيتنا القروي نحو الحقول، فضاعت من ذاكرتي نبرات صوتها، أغمضت عينيّ لعلي أتذكر على الأقل بعض ملامح ثيابها القروية فعزّ عليّ ذلك، هيَّجني حالي فلم ألحظ نفسي إلا وقد اغرورقت عيناي…

    «بدموعٍ تنعى بين عبراتها مآسي وطنٍ مكلوم، أجبرتنا جراحه على ألّا نقترب منه حتى لا يغرقنا بنزيف دمائه.»

    فبدأت أتساءل في نفسي: “يا ترى، هل الحياة قاسية لدرجة لا تسمح لنا بالعيش كما البقية؟”.

    قررت أن أترك غرفتي وأخرج من نفسي، لعلي أجد بعض الراحة بين جموع الناس، فـ:

    «الوحدة تخلق الآلام وتتفنن في اختلاق الأفكار البائسة.»

    بما أن مدينة قونية التركية تشتهر بكثرة الحدائق، قررت أن ألوذ بإحداها لعلي ألتقي بنفسي في حضرة الطبيعة وسط جوٍّ من الهدوء، بعيدًا عن المسكنات والعقاقير الطبية. ركبتُ الترام قاصدًا إحدى الحدائق العامة، وفي الطريق إلى المكان المقصود تفاجأت بمدى التغيرات التي قامت بها بلدية تلك المدينة -قونية- فوجدت أبنية قديمة تم تجديدها، وأماكن مقفرة تم إحياؤها وتزيينها، ووجدت أشكالًا جديدة لمحطات الحافلات، وأرصفة كانت مهملة تم رصفها. أنظر إلى الجهة الأخرى من المكان فأجدني أمام حديقة غنّاء مليئة بالزهور المتنوعة والورود الجميلة ذات الألوان الزاهية، وهي تهبُ المكان بعضًا من جمالها.

    ارتاحت نفسي لتلك الأشياء الجميلة وانفتحت سرائري، لكن زحمة الركاب عكّرت صفو مزاجي مع تلك المناظر، فرجعت بعيني إلى حيث مكاني لأجدني أمام شاشات بلازما ثُبّتت في جوانب الترام، موضوعة أمام أنظار الركَّاب بطريقة تسمح للجميع بمشاهدتها. لقد كانت تلك الشاشات تنشر الوعي بين المواطنين بطرق حضارية وحديثة، وأعجبتني فكرتها وهي تعرض بعض الفيديوهات التوعوية للمواطنين وبعض الأخبار عما تقوم به الدولة. أحسست وكأن الدولة تخدم الشعب وتتلطف به، ولذا تقول له: “انظروا ماذا نفعل من أجلكم ومن أجل وطننا”.

    أخيرًا وقفت مع نفسي بعض الوقت وكأنني جديد على هذه الأماكن التي ما غبت عنها سوى أسابيع قليلة لا أكثر، ولكن التغيرات التي طرأت عليها جعلتني أشعر وكأنني غبت عنها لشهورٍ عديدة. حاولت أن أُمنّي نفسي لأهدأ بعض الوقت، إلا أن:

    «غريب الوطن مهما حاول تجاهل ما تراه عيناه، إلا أنك تجده يربط كل شيء يراه في غربته بوطنٍ تمنى رؤيته بحالٍ جيد ولو لمرة واحدة.»

    لا أخفيك أيضًا أنني تمنيت وقتها لو أن بلدي يشهد تلك التغيرات كما تشهدها الكثير من البلدان الأخرى، ولكن بعد تلك الأمنية تذكرت:

    «أن بلدي لا تكفيه أمنية واحدة، إنه يحتاج إلى أمنيات كثيرة لا بد أن تتحقق حتى ترجع المياه إلى مجاريها.»

    ولكن من للمتمنّين فيحقق أمنياتهم، ومن للحالمين فيحقق أحلامهم، وصدق أحمد شوقي حين قال: وما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تُؤخذ الدُّنيا غلاباً.