؛
عبد الرحمن الآنسي كاتب وروائي

الوسم: مقالات رومانسية

  • في حضرة ذات الجمال

    في حضرة ذات الجمال

    ذات مرة بينما أنا أُقلِّبُ عينيَّ في ذلك المكان الصاخب أصواته، أشرب قهوتي المفضلة مستمتعًا بالمنظر من حولي، إذا بي أرى من الجانب الآخر فتاةً تترنح المشي وكأنها ملاكٌ تمشي على الأرض في هيئة بشر. لقد رأيت الجمال بكل أصنافه وأشكاله أما تلك الفتاة وعلى الرغم من حشمة ملبسها وبساطته إلا أن جمالها الصارخ لا تصفه الكلمات، هيئتها وهي تختبئ خلف تلك الملابس الجميلة وكأنها جوهرةٌ اكتنزتها الأيام فخلَّدتها دُرَّة فريدةً ويتيمةً للزمان.

    «الأشياء الجميلة تفسدها الكلمات عندما تحاول أن تُلبِسُها بالمعاني، فعندما نرى شيئًا جميلًا للغاية نشعر حقًا بأن الكلمات أعجز من أن تصف ذلك الجمال وتصوره للغائب.»

    راودني قلمي في تخليد ذلك الجمال ببعض الكلمات فحاولت ذلك لكنني وقفت عاجزًا أمام جمالٍ لم يخلقه الله إلا ليرينا بعض جماله في خلقه، فالأشياء الجميلة تفسدها الكلمات عندما تحاول أن تُلبِسُها بالمعاني، فعندما نرى شيئًا جميلًا للغاية نشعر حقًا بأن الكلمات أعجز من أن تصف ذلك الجمال وتصوره للغائب، فأؤمن حينها أن الأشياء الجميلة لا نعطيها حقها من الوصف إلا بالنظر إليها.

    لا أُخفيك أنه لو نظر إليَّ وقتها شخصٌ ما لظنني زير نساء أو مراهقٌ أخرق، لكنني لستُ كذلك ولستُ ممن يحبون إطالة النظر إلى الجميلات كبعض الحمقى، فنظراتي أغلبهن خِلسة، إلّا تلك المرَّة، لقد تسمَّرَتْ عيناي على جمال تلك الفتاة الهادئ وتلك الملابس الجميلة التي كانت تغطي جسمها المتناسق بدقة، فشعرتُ حينها وكأن طيفًا غزى عقلي وقلبي ليعلن عن ثورةٍ هائجةٍ من المشاعر، وكان لابد أن أقول فيها ما يقوله الشاعر في حضرة الجمال، وكانت تستحقه حقًا.

    رشفتُ من فنجان قهوتي بعضًا منها وأخذت قلمي الذي لا يفارقني ومن ثم أخذتُ ورقةً بيضاء وشرعتُ أكتب:

    ألِقَتْلِنا خُلِقَ الجمالُ سبيلا؟ … فَلَكَمْ رأيتُ من الجمالِ قتيلا
    برشاقةٍ تبدي الحسينة وجهها … فترى الجمال كأنه قنديلا
    «مشاعري كالسُّمّ إن لم أخرجها في حينها تفتك بجسدي حتى تكاد تقتلني، ثم لا ينقذني منها سوى بعض الحبر والورق.»

    حاولت أن أكمل ما بدأته ببعض الأبيات الشعرية إلَا أن مشاعري كانت فيَّاضة وجامحة لدرجة لا تسمح لي بالانتظار حتى أُفكر في ترتيب أبياتٍ جديدة ثم أكتبها. ربما لم أخبرك عن حقيقة مشاعري، فهي كالسُمّ إن لم أخرجها في حينها تفتك بجسدي حتى تكاد تقتلني ثم لا ينقذني منها سوى بعض الحبر والورق.

    بدأت أُقلَّب ذلك البيت الشعري في عقلي وأتنقل بين الكلمات لتجربة بعض قوافيه، ومن ثم قرأته لنفسي، وفج

  • الطواف حول خصر أنثى

    الطواف حول خصر أنثى

    وكأنها مجرةٌ مضيئة جمعت حولها كل النجوم والكواكب دون أي سبب؛ فقط لأنها تمتلك قوة الجذب. لا تحاول أن تقنع نفسك بأن كل شيء في تلك الأجسام المغناطيسية لا يعني لك شيئًا، وأن الكلام عن ذلك مجرد هراء مراهق لا أكثر، فأنت تعلم في قرارة نفسك -وإن أنكرت عليها ذلك- بأن كل شيء يدور حولها. ألم تعلم أن قابيل قتل أخيه هابيل لتكون أول جريمة في تاريخ البشرية في سبيل ذلك الخصر، وفُتن بنو إسرائيل في دينهم وهم يطوفون حول خصور نسائهم، وفقد عزيز مصر ملكه بسبب ذلك الخصر الذي أقنعه أن يلقي يوسف إلى السجن ليمكث فيه بضع سنين.

    «إنهم يطوفون حوله جميعًا يا عزيزي فهذا ما لا شكَّ فيه، ولكن لمَ لم يتساءل أحدهم يومًا: أهذا الطواف فطرة إنسانية أم نزعة شيطانية؟»

    وحتى لم يتجشم أحدهم عناء انتظار الجواب، أهو حقًا نزعة شيطانية؟! وإذا كان كذلك فلم هي مغروسة في أعماقنا، ولِمَ أولئك المحاربون في سبيل دينهم موعودون بحوريات باذخات الجمال في ذلك اليوم؟! أجابني أحدهم على عجل متكلفًا الحديث حيث قال أنها فطرة إنسانية، والدليل على ذلك أن تلك الرغبة مغروسة في نفس كل إنسان؛ فهو ينتظر ذلك الطواف كانتظار كهلٍ قرر الحج بعد أن أنهكته ذنوبه، وهي ليست حالة نادرة أيضًا بل هي موجودة في نواة كل فرد منا وهذا دليل كافٍ لنقول بأنها فطرة إنسانية.

    انهكني التعب ذلك اليوم فنمتُ قليلًا وربما لم أنم بل كانت مجرد غفوة لبضع دقائق لا أكثر، فتحت نصف عيني لأجدني أمام شاشة تلفاز تعرض فتاة نصف عارية، ربما كانت ترقص وربما كانت تروِّج لمنتج للبيع برغم أن كل ما كانت تعمله لا يدل على المنتج وإنما يدل على جسمها أكثر مما يدل على المنتج نفسه، دخل أحدهم غرفتي فنظر نحو التلفاز فلفتته جمال تلك الفتاة -التي تروج لذلك المنتج، والذي ليس له أي علاقة بما تقوم به- فسألني ضاحكًا بسخرية: “حتى أنت ما زلت تطوف حوله؟”.

    حدجته بعينيِّ نائمٍ صحى من نومه للتو وكأنني لم أكترث لما قاله، لكنني في نفس الوقت غيَّرت القناة حيث ظهرت قناة أخرى كان أحدهم يقول فيها بنوعٍ من الهدوء المتصنع بأن ذلك الخصر ما هو إلا نزعة شيطانية لابد من تجنبه، والدليل على ذلك أنه سبب كل المصائب وأنه سبب ابتعادنا عن الهدف الرئيسي في هذه الحياة، وأنه وإن كان ولا بد فهي موجودة بالفطرة من أجل التكاثر وخدمة الدين والجنس الإنساني لا أكثر. لقد ذكَّرني بـ جورج أرويل عندما قال في روايته المشهورة (1984) بأن الحزب الحاكم يسمح لأفراده بممارسة الجنس فقط من أجل خدمة الحزب لا أكثر حتى ينجبوا أفرادًا جددًا يقومون بخدمة الحزب والولاء له من أجل استمرارية قوة الحزب مدة أطول لا أكثر، وليس من أجل المتعة والتلذذ بالحياة.

    «أليس عجيبًا أن يترك الرجل والديه من أجل ذلك الخصر، وترتكب جرائم، وتضيع عائلات، وتُهين كرامات.. وكل هذا خشوعًا في محرابه!»

    لم أصل إلى جواب مقنع فقمت من على فراشي وأنا أنفض بقايا غباره التي ما زلت تائهة في الهواء مثلي تتساءل: “لماذا العالم كله يطوف حول ذلك الخصر يا ترى، وأي ذنبٍ تراهم اقترفوه حتى يطوفون حوله بكل هذا خشوع؟! يترك الرجل والديه من أجل ذلك الخصر، ويرتكب أحدهم جريمة قتل من أجله، وتضيع الكثير من العائلات بسبب خصر أنثى فأُهينت كرامات البعض وصُرفت الكثير من الأموال وأُلفت الآلاف من الكتب وتنازعت كلمات الشعراء والأدباء وتقابلت أصوات المغنيين وكل هذا من أجل ذلك الخصر. ماذا أصابهم يا ترى؟! أإلى الحد يحتل هذه المكانة؟! لا أدري ولكن يبدو أنه كذلك.

    لَكَمْ تذكرني حكاية هذا الخصر بحكاية جاليليو جاليلي ومركزية الشمس في نهاية محاكمته عندما قال بأن كل شيء يدور حول الشمس مُعلقًا: “إنها تدور رغم أنوفكم”، وكان على حق، وها أنا أقول لكم: “إن العالم يدور حول ذلك الخصر رغم عدم اعترافكم بذلك”.

    «هي فلسفة عميقة.. تماماً كتلك التفاحة التي ظن الناس أنها تسقط لارتفاع الأغصان، حتى أتى نيوتن ليخبرنا بأنها الجاذبية والاتزان الكوني.»

    أعترف أنني ما زلت تائهًا في الجواب، فمثل هذه الحالات أعظم من أن يفسرها أحدهم، بل هي فلسفة عميقة مثلها كمثل تلك التفاحة التي عاش الجميع وهم مقتنعون بأنها تسقط من أعلى الشجرة فقط لأن الأغصان مرتفعة والأرض منخفضة ولهذا تسقط.