؛
عبد الرحمن الآنسي كاتب وروائي

التصنيف: Articles

  • عامان من الغياب

    عامان من الغياب

    هجرتُ مواقع التواصل قبل عامين. لم أغلق حساباتي، تركتها مفتوحةً كبيتٍ رحل عنه أهله على عجل؛ الأبواب كما هي، وضوء الشرفة لم يُطفأ، ومضيتُ.

    في الأيام الأولى كانت أصابعي تبحث عن الهاتف كما يبحث المدخّن عن سيجارته بعد الطعام. ثم هدأ كل شيء. صرتُ أسمع صوت الماء وهو يغلي في الإبريق، وأنتبه لضوء العصر حين يميل على الجدار، وأنام دون أن يرافقني إلى السرير ضجيجُ العالم كله. وفي ذلك الهدوء عرفتُ أن كثيراً مما كان يثقل صدري لم يكن لي.

    عدتُ إلى الكتب. قرأتُ بنَهَمِ من جاع طويلاً، وكان كل كتاب يفتح باباً ويكشف لي جهلاً جديداً، حتى أحببتُ جهلي، لأنه صار يعرف أين يبحث.

    وسافرتُ. طفتُ معظم بلادنا العربية، من مدينة إلى مدينة، ومن لهجة إلى أخرى. كنا نتكلم اللغة نفسها، ونقرأ القرآن نفسه، ونحفظ القصائد نفسها، ومع ذلك وجدتُ في كل بلد طريقةً مختلفة في النظر إلى الحياة. جلستُ إلى موائد غرباء ثم قمتُ عنها وفي قلبي شيء منهم. هناك عرفتُ أن للعالم نوافذ كثيرة، وأن من يطلّ من نافذته وحدها يظنّ السماء بحجم إطارها. وتعلّمتُ أن التسامح يبدأ حين نكفّ عن مطالبة الآخرين بأن يكونوا نُسَخاً منّا.

    «للعالم نوافذ كثيرة، ومن يطلّ من نافذته وحدها يظنّ السماء بحجم إطارها.»

    وفي غيابي جاء طفلي. كل ليلة نحاول أن نُرقده، فيقاوم النوم بكل ما في جسده الصغير من عناد. تثقل جفناه فيفتحهما بالقوة، ويتثاءب ثم يمدّ يده إلى لعبته من جديد، كأنه يخشى أن يفوته شيء من هذا اليوم إن أغمض عينيه. أتأمّله وأبتسم، ثم أسأل نفسي: متى صرتُ أنا أستعجل يومي لينتهي؟ ومتى أصبحتُ أعيش في الغد وأؤجّل اليوم إلى إشعارٍ آخر؟ علّمني ذلك الصغير، دون أن يقول كلمة، أن الحياة الحقيقية هي أن تعيش اللحظة كاملة، كأنها كل ما تملك.

    ومنه، ومن الطرقات، ومن الكتب، فهمتُ أن الوقت هو الثروة الوحيدة التي ننفقها ونحن نظن أن لدينا منها الكثير، ثم نكتشف متأخرين أننا كنا نصرف من رصيدٍ لا يتجدد.

    أعود اليوم بحقيبةٍ أثقل مما خرجتُ بها. فيها أسئلة أكثر من الأجوبة، وأفكار ضاقت بها دفاتري، وشيءٌ كتبتُه في صمتٍ طوال هذه المدة، وسيأتي أوانه قريباً.

    أهلاً بكم من جديد.

  • لا كَسبَ بلا ألم: كيف نصنع عاماً حافلاً بالإنجازات؟

    لا كَسبَ بلا ألم: كيف نصنع عاماً حافلاً بالإنجازات؟

    لكي نقضي عامًا حافلًا بالإنجازات لابد أن نفهم ونعي ما تقول الحكمة الإنجليزية التي تقول “No gain without pain” والتي تعني “لا كسب بلا عناء وبلا ألم”، فالأشياء الجميلة حتمًا سيصاحبها منغصات وصعوبات وتحديات كثيرة، والشخصيات الضعيفة لا تجرؤ على مواجهة كل هذا، لأن ضعيفو الهمم عديمو الهدف والغاية نراهم لا يطمحون سوى الحصول على لقمة العيش، ولأن هدفهم لقمة العيش فقط، فلن يحصلوا على غيره، على خلاف أولئك الناجحون، فتراهم شُعَلٌ من الطاقة تتوقد وتحترق في سبيل تحقيق أهدافهم الكبيرة.

    «الأقدار الجميلة لا تميل نحو المنتظرين، والأحلام الكبيرة لا تساور التائهين.»

    لنضرب مثالًا في هذا: أن تعمل.. تسافر.. تدرس وتقابل ثقافات جديدة وأناس جدد شيء رائع جدًا، فمع كل هذا حتمًا ستكسب خبرات جديدة، سيتوسع مفهومك للحياة وستكتشف أن تفكيرك أصبح راقيًا أكثر، لا أخفيك أنك ستتعرف أيضًا على أشياء مذهلة ورائعة وحتى تلك الأشياء التي كنت تظنها سببًا في تنغيص حياتك سيأتي يومًا ما وتكتشف أنها السبب الرئيسي لتحسن مستوى دخلك ومعيشتك، لذا لا تنظر لما يحدث من حولك من الجانب المظلم واعلم أنه عندما نتحدى ظروفنا الصعبة ونتعداها حينها فقط نشعر بأن الحياة أصبحت جميلة.

    لا تنتظر قدرك حتى يأتيك، فالأقدار الجميلة لا تميل نحو المنتظرين والأحلام الكبيرة لا تساور التائهين، لذا قم واعمل بجد فما تريده لن يأتيك على طبقٍ من الذهب إن لم تعمل، وكل مرة تتألم فيها تذكر الحكمة الانجليزية التي تقول “لا كسب بلا ألم”، وبما أنك تريد أن تحقق كل تلك الأحلام الكبيرة وتلك المكاسب الضخمة فمعناه أيضًا لابد أن تتقبل قانون الحياة وتواجه كل التحديات والصعوبات والآلام التي تواجه طريقك، وحتى قد تجبرك على أن تتنازل عن أشياء في حياتك أيضًا.. فأن تسافر من أجل العلم معناه أن تتنازل عن البقاء بقرب عائلتك ومن أجل صفقة ما قد تتنازل عن صفقة أخرى وهكذا.

    «ما يجمِّل الحياة هي تلك التحديات التي تواجهنا.. عندما تحلم بأشياء كبيرة فكن قويًا كالفولاذ، صبورًا كالحجر.»

    عزيزي القارئ؛ ليكن في حد علمك أن ما يجمِّل الحياة هي تلك التحديات التي تواجهنا، تلك الآلام التي تلفحنا بنارها في كل مرةٍ نحاول صعود سلم النجاح لكنها جميلة جدًا، تشعرنا بمعنى العيش، تشعرنا بمدى قوتنا وتبقى هي الذكريات الجميلة التي نتذكرها في رحلة الحياة؛ لذا عندما تحلم بأشياء كبيرة في الحياة وتريد أن تحققها فكن قويًا كالفولاذ، صبورًا كالحجر، لا تتنازل عن مبادئك وأحلامك بسهولة فتلك صفات العباقرة والقادة.

    أخيرًا كما أقولها دائمًا وأبدًا.. حاول أن تحب كل ما تعمله إذا أردت تحقيق نجاحًا في حياتك، فبما أنك ستعمل ذلك الشيء في النهاية فاعمله بحب؛ لأن ذلك الحب سيكون هو الدافع الرئيسي لتقدمك للأمام، ولن يشعرك بالفشل والخذلان مهما قست ظروفك، فما الفرق بين الناجح وغيره سوى أن الناجح يحب ما يعمله ويقدم كل ما لديه من أجل ذلك الشيء بينما الفاشل تجده يختلق كل الأعذار من أجل تبرير فشله.

    «اعمل بحب؛ لأن ذلك الحب سيكون هو الدافع الرئيسي لتقدمك للأمام، ولن يشعرك بالفشل مهما قست ظروفك.»

    الحكمة الإنجليزية تلخص أشياء ضخمة في محتواها، فهي تقول للطالب “لن تحصل على المراكز الأولى ما لم تتحمل عناء السهر والتعب والصبر على المذاكرة” وتقول لرجل الأعمال “لن تتهافت عليك الفرص ما لم تركز على هدفك وتكافح من أجله” وكذلك تقول للكاتب “لن تصبح مشهورًا وكبيرًا في عالم الكتابة ما لم تقضي الساعات والساعات في القراءة ومناقشة أوضاع المجتمع وتحمل منتقديهم” وتقول للإعلامي “لن تستضيفك القنوات والصحف ما لم تتحمل عناء السفر في البحث عن الخبر الصحيح قبل أن يتداوله الآخرون، وتقوم بتعقب الأخبار وتبدع في محتواك وتوافي الجميع بكل ما هو جديد”. وتقول للعامل العادي أيضًا “لن تحصل على لقمة العيش ما لم تنهض مبكرًا باحثًا عن عمل” وتقول للجميع “لن تكسب بدون ألم”. لذا مع اقتراب بداية عامنا الجديد دعونا نخطط لأحلامنا الكبيرة ولنعمل بجد من أجل تحقيقها فالله لا يضيع أجر عمل عامل من ذكرٍ أو أنثى كما ذكر في كتابه العزيز.

  • العيد في الغربة.. عيدٌ بلا وطن

    العيد في الغربة.. عيدٌ بلا وطن

    “إنها ليلة العيد يا عبد الرحمن، ماذا سنعمل غدًا من أجل العيد؟”.. كنت حينها أحاول تجاهل سؤاله بالانشغال بالهاتف. أتاني مرةً أخرى وصفعني على رأسي قائلًا: “بكرة عيد، وأنا وأنت في الغربة ولازم نفرح مثل خلق الله”.. يا له من مسكين، لقد كان أول عيدٍ يعيشه خارج الوطن وبعيدًا عن العائلة، لذا ما أردت أن أصدمه بحالنا في الأعياد. تركت الهاتف واقتربت منه وقلت: حتمًا سنفرح يا صديقي.

    «حاولنا أن نشعر بالعيد، لكن العيد ليس أغانٍ نستمعها.. لقد كان وطنًا نريده، وأهلًا نحتاج لقربهم.»

    قلت تلك الجملة وأنا أعرف أننا لن نفرح، فقط من أجل أن لا يشعر بالغربة حتى ليلة العيد. بدأ يحدثني: “يا أخي أين فرحة العيد في الغربة! عندما تكون بصحبة أهلك، ليلة العيد تكون مختلفة تمامًا. تشعر أن الناس تغني والأطفال يمرحون ويقفزون من الفرح ويلعبون بالألعاب والمفرقعات والجميع يقدم الحلوى والعصائر”. نسيت أن أخبرك أننا كنا في سكن جامعي، لا أطفال ولا عائلات وحتى لا يوجد من يهتم بما نسميه العيد. قمنا وبدأنا نقيم مراسيم عيدنا المزيف. فتحنا أغنية يمنية لعلي الآنسي “أنستنا يا عيد” حاولنا خداع أنفسنا بأننا فرحون باللحظة. قليلًا قليلًا بدأ الملل يفترسنا. فتحنا أغنية أخرى للقيصر كاظم الساهر “عيد وحب” حاولنا أن نشعر بالعيد لكن العيد ليس أغانِ نستمعها لقد كان وطنًا نريده، أهلًا نحتاج لقربهم وأصدقاء نحتاج أن نكون معهم.

    انبلج الصباح وبدأ الجميع يذهب لصلاة العيد. لم نسمع تلك الجلبة التي يحدثها الأطفال في المنزل وهم يجرِّبون لبس ملابسهم الجديدة التي سيلبسونها ذلك اليوم. لم أسمع صوت أمي وهي تيقظني من أجل صلاة الفجر وتقول لي أن الماء الساخن جاهزة حتى نستحم قبل الذهاب لصلاة العيد. لم أسمع بكاء طفل لأن أحدهم أخذ لعبته أو الحلوى التي كانت في يده. لم أسمع سوى صوت منبه الهاتف وهو يصرخ من أجل أن لا أعود للنوم فتذهب علي الصلاة. لبست ما رأته عيني أمامها وخرجت على عجالة؛ لأن صلاة العيد على قرب الانتهاء.

    «العيد الحقيقي ليس أن تأكل الحلوى وتلبس الجديد، بل العيد أن تجد كل من تحبهم فرحين وبصحة جيدة.»

    صلينا وبدأت أنتظر أصدقائي، في مخيلتي انتظرت “عبد الاله” عندما يأتي وهو يضحك ويقول لي “حج ولا عروس” وأرد عليه عروس فنضحك ويبدأ حديثنا حول الزواج وروعة الحياة الزوجية، لم أرّ “محمد” وهو يأتي ليجاملني ويقول لي أنني وسيم بملابس العيد، لم أرَ جاري وهو يدس يده في جيبه فيخرج مائة ريال ويعطيها لطفل، لم أرَ سوى صديقي الذي خرج وعينه نصف مغلقه من كثرة النوم. سلم علي وقال بتململ “عيدك مبارك وكل عام وأنت بخير” رجعنا ونحن نفكر كيف نشعر بالعيد في الغربة!

    جعنا في الصباح لأن عمَّال السكن لم يأتوا مبكرين ذلك اليوم. ها هي ذي خيبة أخرى. يوم العيد ينذر بالانتهاء ولم نعمل شيء، سوى أكل بعض الشوكولاتة أخذناهم من الماركت بعد الظهيرة بمناسبة العيد. كان صديقي تعيسًا، فقد خاب أمله لأنه لم يجد العيد الذي كان يعيشه بين أهله. فكّرت قليلًا وهو يتذمر ورأيت أن لا أحرمه من فرحة العيد، فأخذته وخرجنا نحو إحدى الحدائق العامة. أخذنا بعض الحلوى وبعض العصائر ثم ذهبنا. كانت الشوارع فارغة، الجميع هنا ذهب إلى أهله. لم يبقَ سوانا نحن الأجانب. مكثنا قليلًا ثم مللنا وعدنا وهذا هو عيدنا وها هو قد انتهى.

    «يا صديقي ليكن في علمك أن كل شيء يمكن أن تجده في الغربة، عدا الوطن والأهل.

  • في حضرة ذات الجمال

    في حضرة ذات الجمال

    ذات مرة بينما أنا أُقلِّبُ عينيَّ في ذلك المكان الصاخب أصواته، أشرب قهوتي المفضلة مستمتعًا بالمنظر من حولي، إذا بي أرى من الجانب الآخر فتاةً تترنح المشي وكأنها ملاكٌ تمشي على الأرض في هيئة بشر. لقد رأيت الجمال بكل أصنافه وأشكاله أما تلك الفتاة وعلى الرغم من حشمة ملبسها وبساطته إلا أن جمالها الصارخ لا تصفه الكلمات، هيئتها وهي تختبئ خلف تلك الملابس الجميلة وكأنها جوهرةٌ اكتنزتها الأيام فخلَّدتها دُرَّة فريدةً ويتيمةً للزمان.

    «الأشياء الجميلة تفسدها الكلمات عندما تحاول أن تُلبِسُها بالمعاني، فعندما نرى شيئًا جميلًا للغاية نشعر حقًا بأن الكلمات أعجز من أن تصف ذلك الجمال وتصوره للغائب.»

    راودني قلمي في تخليد ذلك الجمال ببعض الكلمات فحاولت ذلك لكنني وقفت عاجزًا أمام جمالٍ لم يخلقه الله إلا ليرينا بعض جماله في خلقه، فالأشياء الجميلة تفسدها الكلمات عندما تحاول أن تُلبِسُها بالمعاني، فعندما نرى شيئًا جميلًا للغاية نشعر حقًا بأن الكلمات أعجز من أن تصف ذلك الجمال وتصوره للغائب، فأؤمن حينها أن الأشياء الجميلة لا نعطيها حقها من الوصف إلا بالنظر إليها.

    لا أُخفيك أنه لو نظر إليَّ وقتها شخصٌ ما لظنني زير نساء أو مراهقٌ أخرق، لكنني لستُ كذلك ولستُ ممن يحبون إطالة النظر إلى الجميلات كبعض الحمقى، فنظراتي أغلبهن خِلسة، إلّا تلك المرَّة، لقد تسمَّرَتْ عيناي على جمال تلك الفتاة الهادئ وتلك الملابس الجميلة التي كانت تغطي جسمها المتناسق بدقة، فشعرتُ حينها وكأن طيفًا غزى عقلي وقلبي ليعلن عن ثورةٍ هائجةٍ من المشاعر، وكان لابد أن أقول فيها ما يقوله الشاعر في حضرة الجمال، وكانت تستحقه حقًا.

    رشفتُ من فنجان قهوتي بعضًا منها وأخذت قلمي الذي لا يفارقني ومن ثم أخذتُ ورقةً بيضاء وشرعتُ أكتب:

    ألِقَتْلِنا خُلِقَ الجمالُ سبيلا؟ … فَلَكَمْ رأيتُ من الجمالِ قتيلا
    برشاقةٍ تبدي الحسينة وجهها … فترى الجمال كأنه قنديلا
    «مشاعري كالسُّمّ إن لم أخرجها في حينها تفتك بجسدي حتى تكاد تقتلني، ثم لا ينقذني منها سوى بعض الحبر والورق.»

    حاولت أن أكمل ما بدأته ببعض الأبيات الشعرية إلَا أن مشاعري كانت فيَّاضة وجامحة لدرجة لا تسمح لي بالانتظار حتى أُفكر في ترتيب أبياتٍ جديدة ثم أكتبها. ربما لم أخبرك عن حقيقة مشاعري، فهي كالسُمّ إن لم أخرجها في حينها تفتك بجسدي حتى تكاد تقتلني ثم لا ينقذني منها سوى بعض الحبر والورق.

    بدأت أُقلَّب ذلك البيت الشعري في عقلي وأتنقل بين الكلمات لتجربة بعض قوافيه، ومن ثم قرأته لنفسي، وفج

  • الطواف حول خصر أنثى

    الطواف حول خصر أنثى

    وكأنها مجرةٌ مضيئة جمعت حولها كل النجوم والكواكب دون أي سبب؛ فقط لأنها تمتلك قوة الجذب. لا تحاول أن تقنع نفسك بأن كل شيء في تلك الأجسام المغناطيسية لا يعني لك شيئًا، وأن الكلام عن ذلك مجرد هراء مراهق لا أكثر، فأنت تعلم في قرارة نفسك -وإن أنكرت عليها ذلك- بأن كل شيء يدور حولها. ألم تعلم أن قابيل قتل أخيه هابيل لتكون أول جريمة في تاريخ البشرية في سبيل ذلك الخصر، وفُتن بنو إسرائيل في دينهم وهم يطوفون حول خصور نسائهم، وفقد عزيز مصر ملكه بسبب ذلك الخصر الذي أقنعه أن يلقي يوسف إلى السجن ليمكث فيه بضع سنين.

    «إنهم يطوفون حوله جميعًا يا عزيزي فهذا ما لا شكَّ فيه، ولكن لمَ لم يتساءل أحدهم يومًا: أهذا الطواف فطرة إنسانية أم نزعة شيطانية؟»

    وحتى لم يتجشم أحدهم عناء انتظار الجواب، أهو حقًا نزعة شيطانية؟! وإذا كان كذلك فلم هي مغروسة في أعماقنا، ولِمَ أولئك المحاربون في سبيل دينهم موعودون بحوريات باذخات الجمال في ذلك اليوم؟! أجابني أحدهم على عجل متكلفًا الحديث حيث قال أنها فطرة إنسانية، والدليل على ذلك أن تلك الرغبة مغروسة في نفس كل إنسان؛ فهو ينتظر ذلك الطواف كانتظار كهلٍ قرر الحج بعد أن أنهكته ذنوبه، وهي ليست حالة نادرة أيضًا بل هي موجودة في نواة كل فرد منا وهذا دليل كافٍ لنقول بأنها فطرة إنسانية.

    انهكني التعب ذلك اليوم فنمتُ قليلًا وربما لم أنم بل كانت مجرد غفوة لبضع دقائق لا أكثر، فتحت نصف عيني لأجدني أمام شاشة تلفاز تعرض فتاة نصف عارية، ربما كانت ترقص وربما كانت تروِّج لمنتج للبيع برغم أن كل ما كانت تعمله لا يدل على المنتج وإنما يدل على جسمها أكثر مما يدل على المنتج نفسه، دخل أحدهم غرفتي فنظر نحو التلفاز فلفتته جمال تلك الفتاة -التي تروج لذلك المنتج، والذي ليس له أي علاقة بما تقوم به- فسألني ضاحكًا بسخرية: “حتى أنت ما زلت تطوف حوله؟”.

    حدجته بعينيِّ نائمٍ صحى من نومه للتو وكأنني لم أكترث لما قاله، لكنني في نفس الوقت غيَّرت القناة حيث ظهرت قناة أخرى كان أحدهم يقول فيها بنوعٍ من الهدوء المتصنع بأن ذلك الخصر ما هو إلا نزعة شيطانية لابد من تجنبه، والدليل على ذلك أنه سبب كل المصائب وأنه سبب ابتعادنا عن الهدف الرئيسي في هذه الحياة، وأنه وإن كان ولا بد فهي موجودة بالفطرة من أجل التكاثر وخدمة الدين والجنس الإنساني لا أكثر. لقد ذكَّرني بـ جورج أرويل عندما قال في روايته المشهورة (1984) بأن الحزب الحاكم يسمح لأفراده بممارسة الجنس فقط من أجل خدمة الحزب لا أكثر حتى ينجبوا أفرادًا جددًا يقومون بخدمة الحزب والولاء له من أجل استمرارية قوة الحزب مدة أطول لا أكثر، وليس من أجل المتعة والتلذذ بالحياة.

    «أليس عجيبًا أن يترك الرجل والديه من أجل ذلك الخصر، وترتكب جرائم، وتضيع عائلات، وتُهين كرامات.. وكل هذا خشوعًا في محرابه!»

    لم أصل إلى جواب مقنع فقمت من على فراشي وأنا أنفض بقايا غباره التي ما زلت تائهة في الهواء مثلي تتساءل: “لماذا العالم كله يطوف حول ذلك الخصر يا ترى، وأي ذنبٍ تراهم اقترفوه حتى يطوفون حوله بكل هذا خشوع؟! يترك الرجل والديه من أجل ذلك الخصر، ويرتكب أحدهم جريمة قتل من أجله، وتضيع الكثير من العائلات بسبب خصر أنثى فأُهينت كرامات البعض وصُرفت الكثير من الأموال وأُلفت الآلاف من الكتب وتنازعت كلمات الشعراء والأدباء وتقابلت أصوات المغنيين وكل هذا من أجل ذلك الخصر. ماذا أصابهم يا ترى؟! أإلى الحد يحتل هذه المكانة؟! لا أدري ولكن يبدو أنه كذلك.

    لَكَمْ تذكرني حكاية هذا الخصر بحكاية جاليليو جاليلي ومركزية الشمس في نهاية محاكمته عندما قال بأن كل شيء يدور حول الشمس مُعلقًا: “إنها تدور رغم أنوفكم”، وكان على حق، وها أنا أقول لكم: “إن العالم يدور حول ذلك الخصر رغم عدم اعترافكم بذلك”.

    «هي فلسفة عميقة.. تماماً كتلك التفاحة التي ظن الناس أنها تسقط لارتفاع الأغصان، حتى أتى نيوتن ليخبرنا بأنها الجاذبية والاتزان الكوني.»

    أعترف أنني ما زلت تائهًا في الجواب، فمثل هذه الحالات أعظم من أن يفسرها أحدهم، بل هي فلسفة عميقة مثلها كمثل تلك التفاحة التي عاش الجميع وهم مقتنعون بأنها تسقط من أعلى الشجرة فقط لأن الأغصان مرتفعة والأرض منخفضة ولهذا تسقط.

  • عندما عشقت اللغة العربية

    عندما عشقت اللغة العربية

    «ربما تجمعنا اللغة العربية يومًا..»

    كنت مرهقًا تلك الليلة بعد سهرةٍ طويلة قضيتها مع أصدقائي خارج السكن الطلابي، وما إن رجعت إلى سكني حتى التقيت مصادفةً بمدير السكن، فحدّثني عن احتفالية ستقام غدًا من أجل المرأة، ونظرًا لاحترامه لي -على حد قوله- فسأكون أحد المنظمين للحفل، ولا بد أن أصحو مبكرًا. لا أعرف كيف زلّ لساني فوعدته بالمجيء. نمت وأنا ألوم نفسي لأنني وعدته، فحتمًا سيكون يومًا تعيسًا. دُقّ الباب صباح ذلك اليوم، فاستيقظت وأنا ألعن هذا الحفل الذي حرمني من نومي، وبطريقة آلية ارتديت ملابسي وذهبنا. كنت أقول في نفسي: “حتمًا سيكون يومًا تعيسًا، خصوصًا وأنا أهدّئ الحضور وأتكلف الاحترام للجميع محاولًا تلبية رغباتهم وطلباتهم”.

    قبل أن أدخل الصالة سحبني منظم الحفل إلى جانبه حتى أترجم للضيوف العرب. بين رتابة المدعوين شدّتني فتاة عربية، ما إن رأيت جمالها الصارخ حتى طار النوم من عيني مسافة أسبوع بالكامل. لقد شدّني جسمها الممشوق وبشرتها المخملية وعيناها الساحرتان، وأما ما كان يشدني فيها أكثر فهو ذوقها الراقي في انتقاء ملابسها. كنت أتساءل: “هل هناك من هي أجمل منها يا ترى؟”. اقتربت مني فقالت: هل تعرف العربية؟ كنت ما زلت نشوانَ من ذلك الجمال، فظلّت تحملق فيّ منتظرةً جوابًا. كررت السؤال مرةً أخرى: هل أنت عربي؟ أجبتها وكأنني أفقت حينها من غيبوبتي: بالطبع يا آنسة، تفضلي، كيف أستطيع خدمتك؟

    سألتني عن مكان الصالة التي سيقام فيها الحفل، ورغم أنه كان بمقدوري أن أدلّها من مكاني، إلا أنني تذرّعت أمام المسؤول بالتركية بأنها تحتاج إلى مساعدتي. اصطحبتها نحو الدور الثالث، فالجميلات يستحققن خدمة الخمس نجوم. مشينا دون أن أنبس بكلمة رغم رغبتي في الحديث معها، وبقينا هكذا حتى وصلنا الدور الأول بعد أن كنا في الدور الأرضي. التفتت نحوي وابتسمت ابتسامة ساحرة حجبت عني قاموس كلماتي، ثم قالت: شكرًا جزيلًا على تعاملكم الراقي. أردت أن أشكرها هي على تواضعها إذ جاءت إلى حفلنا رغم امتلاكها كل هذا القدر من الجمال، لكنني اكتفيت بأن ابتسمت بهدوء.

    بضع خطوات مشيناها صامتين، وكنت أتمنى أن يطول الطريق حتى يهبني الله القليل من الشجاعة فأتكلم معها في أي شيء. كسرت صمتنا حين سألتني: ماذا سيكون في برنامج اليوم؟ شكرها قلبي على الفرصة الثمينة التي وهبتها لمشاعري لأتكلم أكثر. أخبرتها عن المقدمات المعروفة، ثم كلمات المسؤولين والرقص وغير ذلك.

    سكتُّ قليلًا، ثم أضفت بطريقة فكاهية: “وسألقي الشعر ما دمتِ حضرتِ”. التفتت وكأن كلمة “شعر” شدّت انتباهها، فسألتني بفضول: حقًا تستطيع قول الشعر؟ فأجبتها: أقول الشعر عندما ألاقي الجميلات أمثالكِ فقط. لا أعرف كيف قلت تلك الجملة، لكن لساني زلّ بها. كست وجهَها الجميلَ ابتسامةٌ خفيفة، لا أعرف إن كانت تسخر بتلك الابتسامة أم ماذا، ثم قالت: ولكنني لا أحب الشعر. شعرت وكأنها طردتني بردّها؛

    «فأن يقول لك أحدهم إنه لا يحب شيئًا أنت تعشقه، فكأنه يقول لك حينها إنه لا يحبك أنت.»

    احمرّ وجهي وشعرت وكأنها صفعتني بقوة على خدي. سكتُّ لبرهة بينما تلعثمت هي محاولةً تبرير جوابها، لكنني تذرّعت بأن المسؤول ينتظرني، وغادرتها مخفيًا مشاعري تجاهها. كنت أتمنى لو أن الحفل ينتهي تلك اللحظة، فأنا لا أريد أن تلتقي أعيننا مرةً أخرى.

    اكتمل الحضور، ودخلت مع المنسقين رغم أنني تمنيت لو أنني لم آتِ من البداية. كانت تجلس قريبًا من ممر الباب، وزاد هذا من إزعاجي لأن عملي كان قريبًا منها، مما يرغمني على النظر إليها. حاولت أن تلفت انتباهي حتى أنظر نحوها، لكن كبريائي لم يسمح لي سوى بنظرة واحدة شعرت من خلالها أنها نادمة على جوابها.

    بدأت الفقرة الغنائية فغاص الجميع في الرقص. كنت أرى كل شيء أمامي مقززًا.. تمايل الفتيات وهن يرقصن، ومشاركة بعض الشباب في الرقص محاولين شدّ انتباه الفتيات بحركات رقص غبية. كنت واقفًا ويداي متشابكتان خلف ظهري تعبيرًا عن شدة الملل الذي كنت أشعر به. فجأة أحسست بيد ناعمة وضعت قطعة من الورق في كفي وفرّت نحو الخارج. ما أردت أن أعرف مضمون الورقة في ذلك المكان، فربما علم بالأمر أحدهم فانكشف أمري، لذا انزويت حتى شعرت أن لا أحد منتبهٌ إليّ، وقرأت مندهشًا ما كتبته فيها:

    إن النساءَ إذا أردن تقربًاممن يحبن تضادتِ الأقوالُ
    فالحبُّ ليس بلعبةٍ مفهومةٍحتى يروق لخوضها الأطفالُ

    فهمت مقصدها، فلحقتها إلى الخارج. وما إن رأيتها حتى التفتت نحوي بابتسامة تحمل معاني الاعتذار واللوم في آنٍ واحد، ثم أشاحت بوجهها عني وكأنها تنتظر مني ردًا. التقطت ورقة وبدأت أكتب:

    يا ربة الوجه الجميل ترفقيما هكذا يتبارز الأبطالُ
    فلقد عجبت لمن يواجه أعزلاوسلاحه عينٌ وحسن جمالُ

    اقتربت منها وكأنني أقترب من حورية، ثم وضعت الورقة أمامها على حافة النافذة مدّعيًا أنني أتصل بأحدهم، ثم ذهبت نحو الصالة بسرعة خوفًا من أعين الحضور. لا أعرف ما تلك الطاقة التي كنت أشعر بها من خلال ابتساماتها وهي تنظر إليّ بعد دخولنا صالة الحضور. لم أحتمل أكثر، فخرجت وتركت الحفل بكامله.

    رأيتها هي الأخرى وقد خرجت بعدي، اقتربت مني وقالت وهي تبتسم بخجل: يا لك من داهية! كيف استطعت أن تشدّ انتباهي بكل هذه السرعة؟ أجبتها مستغربًا: وما الذي فعلته حتى شددت انتباهكِ؟ فقالت: ردّة فعلك على جوابي بأني لا أحب الشعر جعلتني أشعر بأنك لست إنسانًا عاديًا.

    «فالعاديون هم من يحاولون إثبات ما يقولونه للآخرين من خلال الكلمات، أما من يُثبتون للآخرين بمشاعرهم فهم من يكسبون المعارك في الأخير.»

    اعترتنا حالة من الصمت، شعرت بأنني لا أعرف من اللغة شيئًا. دام هذا الصمت دقيقة، في حين كان الحضور على وشك الخروج. قلت أخيرًا: لكنني لم أتكلف أي شيء كما يفعل البقية. ردّت بسرعة: وهذا ما كان جميلًا فيك وشدّني إليك. حاولت أن أخبرها بأنني سُحرت بجمالها منذ أول مرة رأيتها فيها، لكنني كنت جبانًا.. كانت تنتظر أن أخبرها بذلك، لكنني لم أستطع. ثم قالت أخيرًا: إذًا لنقل إلى اللقاء يا عزيزي.. ربما تجمعنا اللغة العربية يومًا.

    إنكم لا تعرفون أنني عشقت من بعدها اللغة العربية، حتى إنني بدأت أتعلم مرادفاتها وأضدادها وكأنني أتعلم لغة أجنبية.. كنت أتعلمها كل يوم وكأنها درس من دروسي الجامعية، لعلها تسعفني بكلمات عند لُقيانا في المرة القادمة.. انتظرت سنوات وسنوات، ولكننا لم نلتقِ بعدها البتة.

  • الوطن في ذاكرة مغترب

    الوطن في ذاكرة مغترب

    «كم كان الحنين شريرًا ذلك اليوم الذي أثقل بآلامه كاهلي!!»

    من نافذة غرفتي الهادئة وأنا أرقبُ منظر الغروب، بدأتْ قوافل التفكير تتوافد على عقلي من كل حدبٍ وصوب، كم أحسست حينها بألم الوحدة وقسوة الغربة، في حين كانت مقلتاي المتعبتان تشهدان مغيب شمس ذلك اليوم وهي تشرح في مشهد غروبها معنىً ساميًا للحياة! زاد شجني رخامةُ صوت أم كلثوم وهو يتسلل إلى أذنيّ من سماعة حاسوبي، وهي ترنِّم كلمات من قصيدة إبراهيم ناجي.

    سبحت آلامي مع كلمات تلك الأغنية إلى مدياتٍ بعيدة، لأنني ولأول مرة أجد الألم ممزوجًا بالحكمة والجمال في مقطوعة غنائية واحدة، قلت حينها في نفسي:

    «لو أن الألم أغنية لعشقته.»

    تغيّر لون سحنة وجهي القمحي فازداد قتامة بعد أن تذكرتُ ما يتذكره الغريب وقت غربته، لقد تذكرت وطنًا يحمل بين أحضانه أهلًا وأحبابًا، تذكرت أن لي أُمًّا ترقب مجيئي في أي لحظة من اللحظات، فقد طال بي الغياب وازداد بنا الشوق واللهفة إلى اللقاء. حاولت أن أتخيل صوت أمي الهادئ وهي خارجة من بيتنا القروي نحو الحقول، فضاعت من ذاكرتي نبرات صوتها، أغمضت عينيّ لعلي أتذكر على الأقل بعض ملامح ثيابها القروية فعزّ عليّ ذلك، هيَّجني حالي فلم ألحظ نفسي إلا وقد اغرورقت عيناي…

    «بدموعٍ تنعى بين عبراتها مآسي وطنٍ مكلوم، أجبرتنا جراحه على ألّا نقترب منه حتى لا يغرقنا بنزيف دمائه.»

    فبدأت أتساءل في نفسي: “يا ترى، هل الحياة قاسية لدرجة لا تسمح لنا بالعيش كما البقية؟”.

    قررت أن أترك غرفتي وأخرج من نفسي، لعلي أجد بعض الراحة بين جموع الناس، فـ:

    «الوحدة تخلق الآلام وتتفنن في اختلاق الأفكار البائسة.»

    بما أن مدينة قونية التركية تشتهر بكثرة الحدائق، قررت أن ألوذ بإحداها لعلي ألتقي بنفسي في حضرة الطبيعة وسط جوٍّ من الهدوء، بعيدًا عن المسكنات والعقاقير الطبية. ركبتُ الترام قاصدًا إحدى الحدائق العامة، وفي الطريق إلى المكان المقصود تفاجأت بمدى التغيرات التي قامت بها بلدية تلك المدينة -قونية- فوجدت أبنية قديمة تم تجديدها، وأماكن مقفرة تم إحياؤها وتزيينها، ووجدت أشكالًا جديدة لمحطات الحافلات، وأرصفة كانت مهملة تم رصفها. أنظر إلى الجهة الأخرى من المكان فأجدني أمام حديقة غنّاء مليئة بالزهور المتنوعة والورود الجميلة ذات الألوان الزاهية، وهي تهبُ المكان بعضًا من جمالها.

    ارتاحت نفسي لتلك الأشياء الجميلة وانفتحت سرائري، لكن زحمة الركاب عكّرت صفو مزاجي مع تلك المناظر، فرجعت بعيني إلى حيث مكاني لأجدني أمام شاشات بلازما ثُبّتت في جوانب الترام، موضوعة أمام أنظار الركَّاب بطريقة تسمح للجميع بمشاهدتها. لقد كانت تلك الشاشات تنشر الوعي بين المواطنين بطرق حضارية وحديثة، وأعجبتني فكرتها وهي تعرض بعض الفيديوهات التوعوية للمواطنين وبعض الأخبار عما تقوم به الدولة. أحسست وكأن الدولة تخدم الشعب وتتلطف به، ولذا تقول له: “انظروا ماذا نفعل من أجلكم ومن أجل وطننا”.

    أخيرًا وقفت مع نفسي بعض الوقت وكأنني جديد على هذه الأماكن التي ما غبت عنها سوى أسابيع قليلة لا أكثر، ولكن التغيرات التي طرأت عليها جعلتني أشعر وكأنني غبت عنها لشهورٍ عديدة. حاولت أن أُمنّي نفسي لأهدأ بعض الوقت، إلا أن:

    «غريب الوطن مهما حاول تجاهل ما تراه عيناه، إلا أنك تجده يربط كل شيء يراه في غربته بوطنٍ تمنى رؤيته بحالٍ جيد ولو لمرة واحدة.»

    لا أخفيك أيضًا أنني تمنيت وقتها لو أن بلدي يشهد تلك التغيرات كما تشهدها الكثير من البلدان الأخرى، ولكن بعد تلك الأمنية تذكرت:

    «أن بلدي لا تكفيه أمنية واحدة، إنه يحتاج إلى أمنيات كثيرة لا بد أن تتحقق حتى ترجع المياه إلى مجاريها.»

    ولكن من للمتمنّين فيحقق أمنياتهم، ومن للحالمين فيحقق أحلامهم، وصدق أحمد شوقي حين قال: وما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تُؤخذ الدُّنيا غلاباً.