ذات مرة بينما أنا أُقلِّبُ عينيَّ في ذلك المكان الصاخب أصواته، أشرب قهوتي المفضلة مستمتعًا بالمنظر من حولي، إذا بي أرى من الجانب الآخر فتاةً تترنح المشي وكأنها ملاكٌ تمشي على الأرض في هيئة بشر. لقد رأيت الجمال بكل أصنافه وأشكاله أما تلك الفتاة وعلى الرغم من حشمة ملبسها وبساطته إلا أن جمالها الصارخ لا تصفه الكلمات، هيئتها وهي تختبئ خلف تلك الملابس الجميلة وكأنها جوهرةٌ اكتنزتها الأيام فخلَّدتها دُرَّة فريدةً ويتيمةً للزمان.
راودني قلمي في تخليد ذلك الجمال ببعض الكلمات فحاولت ذلك لكنني وقفت عاجزًا أمام جمالٍ لم يخلقه الله إلا ليرينا بعض جماله في خلقه، فالأشياء الجميلة تفسدها الكلمات عندما تحاول أن تُلبِسُها بالمعاني، فعندما نرى شيئًا جميلًا للغاية نشعر حقًا بأن الكلمات أعجز من أن تصف ذلك الجمال وتصوره للغائب، فأؤمن حينها أن الأشياء الجميلة لا نعطيها حقها من الوصف إلا بالنظر إليها.
لا أُخفيك أنه لو نظر إليَّ وقتها شخصٌ ما لظنني زير نساء أو مراهقٌ أخرق، لكنني لستُ كذلك ولستُ ممن يحبون إطالة النظر إلى الجميلات كبعض الحمقى، فنظراتي أغلبهن خِلسة، إلّا تلك المرَّة، لقد تسمَّرَتْ عيناي على جمال تلك الفتاة الهادئ وتلك الملابس الجميلة التي كانت تغطي جسمها المتناسق بدقة، فشعرتُ حينها وكأن طيفًا غزى عقلي وقلبي ليعلن عن ثورةٍ هائجةٍ من المشاعر، وكان لابد أن أقول فيها ما يقوله الشاعر في حضرة الجمال، وكانت تستحقه حقًا.
رشفتُ من فنجان قهوتي بعضًا منها وأخذت قلمي الذي لا يفارقني ومن ثم أخذتُ ورقةً بيضاء وشرعتُ أكتب:
برشاقةٍ تبدي الحسينة وجهها … فترى الجمال كأنه قنديلا
حاولت أن أكمل ما بدأته ببعض الأبيات الشعرية إلَا أن مشاعري كانت فيَّاضة وجامحة لدرجة لا تسمح لي بالانتظار حتى أُفكر في ترتيب أبياتٍ جديدة ثم أكتبها. ربما لم أخبرك عن حقيقة مشاعري، فهي كالسُمّ إن لم أخرجها في حينها تفتك بجسدي حتى تكاد تقتلني ثم لا ينقذني منها سوى بعض الحبر والورق.
بدأت أُقلَّب ذلك البيت الشعري في عقلي وأتنقل بين الكلمات لتجربة بعض قوافيه، ومن ثم قرأته لنفسي، وفج





