؛
عبد الرحمن الآنسي كاتب وروائي

عامان من الغياب

هجرتُ مواقع التواصل قبل عامين. لم أغلق حساباتي، تركتها مفتوحةً كبيتٍ رحل عنه أهله على عجل؛ الأبواب كما هي، وضوء الشرفة لم يُطفأ، ومضيتُ.

في الأيام الأولى كانت أصابعي تبحث عن الهاتف كما يبحث المدخّن عن سيجارته بعد الطعام. ثم هدأ كل شيء. صرتُ أسمع صوت الماء وهو يغلي في الإبريق، وأنتبه لضوء العصر حين يميل على الجدار، وأنام دون أن يرافقني إلى السرير ضجيجُ العالم كله. وفي ذلك الهدوء عرفتُ أن كثيراً مما كان يثقل صدري لم يكن لي.

عدتُ إلى الكتب. قرأتُ بنَهَمِ من جاع طويلاً، وكان كل كتاب يفتح باباً ويكشف لي جهلاً جديداً، حتى أحببتُ جهلي، لأنه صار يعرف أين يبحث.

وسافرتُ. طفتُ معظم بلادنا العربية، من مدينة إلى مدينة، ومن لهجة إلى أخرى. كنا نتكلم اللغة نفسها، ونقرأ القرآن نفسه، ونحفظ القصائد نفسها، ومع ذلك وجدتُ في كل بلد طريقةً مختلفة في النظر إلى الحياة. جلستُ إلى موائد غرباء ثم قمتُ عنها وفي قلبي شيء منهم. هناك عرفتُ أن للعالم نوافذ كثيرة، وأن من يطلّ من نافذته وحدها يظنّ السماء بحجم إطارها. وتعلّمتُ أن التسامح يبدأ حين نكفّ عن مطالبة الآخرين بأن يكونوا نُسَخاً منّا.

«للعالم نوافذ كثيرة، ومن يطلّ من نافذته وحدها يظنّ السماء بحجم إطارها.»

وفي غيابي جاء طفلي. كل ليلة نحاول أن نُرقده، فيقاوم النوم بكل ما في جسده الصغير من عناد. تثقل جفناه فيفتحهما بالقوة، ويتثاءب ثم يمدّ يده إلى لعبته من جديد، كأنه يخشى أن يفوته شيء من هذا اليوم إن أغمض عينيه. أتأمّله وأبتسم، ثم أسأل نفسي: متى صرتُ أنا أستعجل يومي لينتهي؟ ومتى أصبحتُ أعيش في الغد وأؤجّل اليوم إلى إشعارٍ آخر؟ علّمني ذلك الصغير، دون أن يقول كلمة، أن الحياة الحقيقية هي أن تعيش اللحظة كاملة، كأنها كل ما تملك.

ومنه، ومن الطرقات، ومن الكتب، فهمتُ أن الوقت هو الثروة الوحيدة التي ننفقها ونحن نظن أن لدينا منها الكثير، ثم نكتشف متأخرين أننا كنا نصرف من رصيدٍ لا يتجدد.

أعود اليوم بحقيبةٍ أثقل مما خرجتُ بها. فيها أسئلة أكثر من الأجوبة، وأفكار ضاقت بها دفاتري، وشيءٌ كتبتُه في صمتٍ طوال هذه المدة، وسيأتي أوانه قريباً.

أهلاً بكم من جديد.